"ستوافق.. لن توافق.. ستوافق.. لن توافق" بهذه الكلمات كانت علبة المجوهرات تفتح وتغلق، وفي الجهة الأخرى من الغرفة يستلقي إبراهيم وقد امتلأ وجهه بعلامات الملل وعدم الاكتراث، يحرك عينيه بشكل دائري ويبتسم بسخرية على صديقه المتوتر راشد: " لقد أرهقتني عباراتك المتكررة يا راشد، لقد سمعتك تسأل نفسك هذه الأسئلة قبل 3 سنوات، وها نحن الآن ذاهبون لحفل التخرج ولم تعرف إجابةً لسؤالك بعد، لا أظن رايتشل من النوع الذي يجامل في مشاعره، إسألها بالله عليك" أغلق راشد العلبة وأدخلها في جيبه وتوجه الإثنان لحفل تخرجهما في الجامعة الفرنسية آملاً أن تكون رايتشل – زميلتهما – قد سبقتهما إلى هناك، فبعد 5 سنوات من الغربة استطاع الإثنان أن يحصلا على شهادة الحقوق وأصبح كل منهما مستعداً للعودة إلى بلده حاملاً رخصته كمحام ومتأملاً أن يجتمع والنجاح في طريق واحد، إبراهيم البحريني كان من النوع الذي لا يكترث لشيء، بينما كان راشد يرسم خطة لمستقبله ويطبقها خطوة بخطوة، كان يرغب بالزواج من زميلته رايتشل الفرنسية التي أبهرته بأدبها وذكاءها وجمالها على عكس أترابها من الفرنسيات. انتهى حفل التخرج وتوجه الجميع إلى قاعة العشاء، قام إبراهيم بالغمز واللمز ، وبدأ يطلق قهقهات ساخرة على راشد كلما رآه يقترب ويبتعد من التجمع النسائي في زاوية القاعة، "هل أسألها أنا؟ أعطني الخاتم، سأخبرها بأنك تحبها لدرجة أنك لن تخبرها" أحس راشد بأن إبراهيم يجب أن يُقتل، وأن أول قضية سيقوم بها هو حكم الإعدام لهذا الصديق عديم المشاعر، بدأ الوقت يمر بسرعة، توتر راشد وعزم على التقدم نحوها ، خاصة وأن الزمن المتبقي له في فرنسا لا يتعدى ثلاثة أيام وعليه أن يبلغها الليلة، اقترب من الطاولة، وكانت رايتشل تتحدث لمارك زميلهما "إحم .. رايتشل، هل يمكنني التحدث معك؟" ، إلتفت الجمال الفرنسي نحوه مردياً قلبه قتيلاً، نسي راشد جميع الكلمات التي حضّرها وتدرب عليها في قلبه طوال هذه السنين، وبدأ لسانه يرتجف، "ما بك يا راشد؟ تبدو غريباً الليلة، رأيتك تخرج من القاعة مرتين اثناء خطاب التخرج" أثارت هذه العبارة دهشته، هل يمكن أن تكون رايتشل تحبه أيضاً؟ كيف أمكنها أن تعرف عن خروجه بين هذا الجمع الغفير من الخريجين ؟ أحس بالرضا لأربع ثوان ثم أردف: "أريد أن أكلمك في الحديقة المجاورة إذا سمحت" خرج الإثنان وسرعان ما رجعا .. والخاتم بإصبعها.
أصوات متداخلة وضوضاء، إبراهيم يقف أمام شاشة المطار يرتقب وصول طائرته التي ستعود به إلى البحرين، بينما راشد ورايتشل يودعان والدها المليونير الفرنسي فيليب رينيه تاجر الأجبان، سلام حار ووداع، يجتمع الثلاثة في أحد المقاهي بجانب بوابات المغادرة، "آه، لم أكن أتوقع أن تمر السنوات بهذه السرعة، سأعود لأمي أخيراً" قال إبراهيم هذه العبارة وهو يتمدد، "سنفتقدك يا إبراهيم، لقد كنت خير الصديق ولن أنسى مواقفك المساندة، ولتظل على اتصال بنا" ابتسم الإثنان وأعلن الطاقم عن موعد دخول الطائرة، بصمت وكتم للمشاعر ، قام الإثنان بمعانقة بعضهما، وذهب كل منهما إلى طائرته وافترقا.
كانت رايتشل جديدة العهد بالعالم العربي، لم تخل أبداً أنها ستتزوج في يوم ما من عربي مسلم، اندهشت من نمط العيش ، من البساطة والسعادة والهدوء، كان أهل راشد من الطبقة الراقية ولكن بكثير من التواضع، رأت رايتشل مزيجاً من الحضارة والبساطة، من الغنى والزهد، من الكثرة في العدد وقوة الروابط الإجتماعية، استغربت كثرة الأبناء وتجمعهم حتى بعد زواجهم وإنجابهم، تذكرت أخاها التي لم تره منذ أن بلغ السادسة عشر وانتقل إلى خارج المنزل، اعجبت بمثل هذا التوافق واستطاعت الانسجام سريعاً، مر عام، وأصبحت رايتشل مسلمة، وغيرت إسمها إلى "إيمان" تيمناً بالدين الحنيف ، كان انتقالها لهذا الدين سبباً في انقطاعها عن أهلها، فهم من عائلة كاثوليكية متدينة، لكنها لم تكترث فالجنين الذي في بطنها كان بالنسبة لها التعويض الأبدي عن حرمانها من أهلها. بعد أشهر، انجبت إيمان طفلة كانت من أجمل ما خلق الله، خليط من الجمال العربي والجمال الفرنسي، بوجه ملائكي صغير، فقررت وزوجها تسميتها "ليَا" وعاشوا في سعادة وأمان.
فوجئت إيمان بنتائج التحليل الذي قامت به، كان ذلك في الذكرى الثالثة لميلاد ابنتها ليا حين ظنت أنها حبلى، وأرادت أن تكون نتيجة التحليل هدية لابنتها الصغيرة بقدوم أخ أو أخت لها فالانتفاخ الذي في بطنها لم يكن يؤرقها لأنها كانت تشعر بالكثير من اللوعة والغثيان ولم تكن تعلم بأنه السرطان، أخفت دموعها، فحفل ليا سيبدأ بعد قليل، وراشد يحضّر الكثير من البالونات في القاعة ولا وقت لشرح ما قد حدث، بدأ الأطفال يندفعون نحو الكعكة، وليا الصغيرة لا تعرف كيف تطفيء الشموع، طلبت من أمها مساعدتها فسبقت الدموع نفختها، وانطفأت. أحس راشد بأن الأمر غير طبيعي، وأن زوجته شاحبة، لم تكن إيمان ترغب بكشف السر الحزين، واستمرت في كتمانه حتى وافتها المنية بعد 6 أشهر، حين أنهك المرض جسدها وأصبحت صفراء شاحبة باردة لا تقوى على الحياة، لم تذرف ليا دمعة، فقد كان الأمر أصعب من أن يستوعبه عقلها الصغير، دخل راشد في غيبوبة من شدة الحزن، وظلت ليا عالقة في الدنيا لا تعرف أحداً تعانقه، أصبحت وحيدة.
مرت السنوات ، واستطاعت الأيام أن تداوي جرح راشد وأن تعيده للحياة مرة أخرى، تزوج راشد من أمرأة قريبة له في العائلة وأنجب منها فارس وبدر وسارة، كانت حنان –زوجة راشد- على إسمها، إمرأة حنونة رقيقة، أدخلت ليا بين أبنائها وعاملتها معاملة الأم من دون تمييز، لكن ليا كانت بعيدة وقريبة، تارةً تشعر أنها ابنتهم وتارة أخرى تحس بالفارق الكبير، فملامحها الأجنبية بعيدة كل البعد عن ملامح أبيها وأخوانها، فارق السن أبعدها عن أخوتها الصغار، أحبتهم ولكن لم تنسجم معهم، كانت لا ترى في نفسها ما يجمعها بهم سوى اسم العائلة، عاشت ليا في معزل عنهم، تقرأ كتباً كثيرة، تراسل أصدقاءها حول العالم، تسافر وتقوم بالمغامرات، تعلمت الفرنسية والأسبانية والعبرية، أحبت الناس، وأصبحت بعد 15 سنة من وفاة أمها نسخة أصلية لرايتشل الفرنسية ولكن بإسم مختلف. كانت حياتها تلك سبباً في بعدها عن أخوتها ولم يتأثر الآخرون ببعدها.
فتحت ليا صندوق أمها الذي كان مخبئاً في مخزن المنزل، وقررت البحث عن ماضي عائلتها الفرنسية وتاريخها، لم تكن تعلم عنهم شيئاً فقد ماتت أمها وهي صغيرة ولم يبق من ذاكرة أبيها راشد أي معلومات عن أهلها بعد الغيبوبة التي أفاق منها. لم يكن يعلم راشد بهذه الخطوة ولم تعر ليا اهتماماً لرأي أبيها ظناً منها بأن لها الحق في فتح إرث أمها حتى دون الرجوع للوارث الآخر، أزالت الغبار عن مقدمة الصندوق وكسرت القفل الذي قد أبقاه مغلقاً لسنوات عديدة، وجدت ليا صوراً كثيرة، كانت أمها جميلة جداً ، أحست ليا بالحسرة لأنها لم تتمتع بنفس القدر من الجمال رغم انبهار الجميع من ملامحها، أرادت أن تعرف عن جدها وجدتها وباقي أفراد العائلة، أخذت تبحث في الحاجيات ووجدت من بين الأوراق رسالة مذيلة بإسم "إيريك رينيه" تقول:
------------------
عزيزتي رايتشل..
لقد سمعت أنك تزوجتي من عربي، تهانينا، لم أكن أعلم أنك تحبين المغامرة لهذا الحد، وددت لو أنني كنت حاضراً لأطبع قبلاتي على خدك الجميل، اشتقت إليك، إبحثي عن السعادة بعيداً عن العائلة.
أخوك، إيريك رينيه
------------------
كانت ليا دقيقة الملاحظة كأبيها، لم يثر انتباهها أيٌ من الأسماء الموجودة بقدر ما أثارت هذه الجملة تساؤلاتها فهمست: "ابحثي عن السعادة بعيدا عن العائلة! غريب ! لمَ يقول أخ لأخته شيئاً كهذا، لمَ يبحث الإنسان عن السعادة بعيداً عن أهله؟" قطعت طرقات الباب أفكارها ، كان أخوها الأصغر بدر يدعوها إلى العشاء، وضعت ليا جميع محتويات الصندوق بداخله وأغلقته ثم توجهت للمائدة.
"أبي، هل تعرفت على خالي إيريك؟" كاد راشد أن يختنق بقطعة الخبز التي وقفت في منتصف بلعومه، ووقفت حنان محضرة كوباً من الماء عله يفيده في بلعها، ارتسمت خطوط الاستغراب على جبهة راشد ثم قال بعد أن ارتوى: "وما أدراك أن لك خال بهذا الإسم؟ هل كنت تعبثين بأغراض أمك؟" أردفت: " لقد فتحت صندوقها الصغير، لم أجد أي سبب يمنعني من ذلك" تنفس الأب الصعداء ثم قال: " لقد كنت أعلم أن يوماً كهذا سيأت، دعينا نتكلم في الأمر بعد العشاء" وساد صمت على الطاولة.
لم تستطع ليا اكمال وجبتها، ولحقت بأبيها في مكتبه فور قيامه من الطاولة، أغلقت الباب وجلست تنظر إليه وهو يشعل سيجارته ويرمقها بنظرات فاحصة، "ماذا رأيت داخل الصندوق؟" اعتدلت ثم قالت: " بضعة صور ومجموعة رسائل مذيلة بإسم إيريك رينيه، هل هناك سر في الأمر؟" وكعادة أسئلتها، جعلت أباها يضطرب ويتردد في سرد القصة لابنته ذات ال18 ربيعاً. وقال: "ليس ثمة سر في الموضوع، ولكن كانت وصية أمك أن لا تعودي ولا ترتبطي بعائلتك مجدداً ولها في هذا الأمر رأي لا أعرفه، أتمنى أن لا تفتحي تابوتها لتعرفي، أنا أعلم كم أنتي فضولية" ضحكت ليا ضحكة بريئة وقالت: "ليتني أستطيع فتح قبرها، أريد حقاً أن أحضنها وأنام بين يديها" وتلألأت الدموع في عينيها ثم قامت من مكانها مودعة أبيها إلى الفراش، "تصبح على خير يا أبي" وأغلقت الباب