07 April 2013
علمتني المخلوقات
تخصصت في علوم الأحياء الدقيقة في الجامعة، ثم أتْبَعتُها بعدة وظائف علمية قادتني بعد ذلك -وبفضل الله- إلى أكبر تجربة مررت بها في حياتي .. الغربة..
حزمت أمتعتي واتجهت لبلاد الإنجليز كي أدرس الماجستير، قُبلت في كلية علوم المحيطات، ذلك العالم الذي لم أكن أعرف عنه إلا ملوحته، وأصبحت أحب أن أعرف عنه كل شيء بعد رحلة الغوص الأولى، بدأتُ بأبجدياته ثم بنظامه ثم بسّكانه ثم -يوماً بعد يوم- رأيت السحر المخبأ خلف تلك البوابة الرقيقة جداً : سطح البحر!
وجدت إجاباتٍ عديدة لتساؤلات كانت تراودني لسنوات، وجدتُ فيه ذاتي التي كُنت أبحث عنها، استطعت من خلال البحر تحديد أهدافي وطرق التطور التي يجب أن أسلكها لتحديث مكنوناتي الداخلية، وطاقاتي الكامنة.
تعرفت إلى الكائنات التي علّمتني، علمتني بوحدتها أن خالقها أوحد، وعلمتني بنظامها أن الأمن في الجماعة، وأن الفُرقى توهن الصفوف وتُعجّل الافتراس، علمتني أن الحياة سلاسل وارتباطات، وأن لكل فرد منا غاية خُلق من أجلها، علمتني أن الأنظمة الكونية ذاتية المعالجة سريعة التصحيح، مايُجرح يُعالج ومايذهب يُستبدل ومايموت يُولد غيره في لحظات، علمتني المخلوقات أننا راحلون، ولن يبقى منا سوى رفاة ستهبط قاع البحر في يوم ما بلا ذكريات، فلمَ نحزن؟
علمتني المخلوقات قيمة الإختلاف وهدف التضاد والعلاقات التكافلية، رأيت فيهم التكامل ورأيت فيهم سد الثغرات، فبعضهم ينتج وبعضهم يستهلك، يحترمون الاختصاص، فالمستهلك يوفر الأمن والمنتج يوفر الغذاء، لا يختلفان ولا يتخالفان.
تعلمت من البحر قيمة الأنفاس، ففي كل انخفاض نحو القاع يزداد الشهيق قيمة ويصبح الزفير ناقوساً يذكرني باقتصاد الأكسجين كلما ابتعدت عن السطح، عرفت قيمة الرئة التي نثقلها بالأدخنة والأتربة غير عابئين بها كغيرها من نعم الله. تعلمت أن الأصل في الأشياء كمالها ونقاءها ثم تبدأ في الاندثار، تعلمت أننا خُلقنا على الفطرة كما غيرنا من الكائنات، إلا أننا نختار الانحراف، نولد كالمعدن النقي الصافي ولكن بلا ملامح، يُشكلنا المحيط وتصقلنا التجارب وتخدشنا الظروف حتى نصبح بهيئتنا النهائية، لكننا عادةً ننسى أن بإمكاننا صقل أنفسنا وتعديل أطرافنا وتطوير زوايانا فنصبح في النهاية كقطعة الماس التي نُحتت بيد صائغ ماهر لتزداد قيمتنا، وهو أمر -بلا شكّ- اختياري.
تعلمت التأمل، والتحدث للجمادات، لغة صامتة وميزان ينظر إلى ماوراء الأشياء، فكم من رسائل مبطنة وضعها الله بين أيدينا بمفتاح واضح جلّي : أفلا تتفكرون؟
تعلمت أن الدنيا مليئة بما نشغل فيه أنفسنا، معرفة لا نهائية وعلمٌ ينتفع به، متعة غير محرمة وخلوة تقربنا إلى الله زلفى، تعلمت أن الكون يدعونا إلى البحث في بواطنه والاستفادة مما في جعبته، فأين نحن من تلبية دعوته؟
إن كنتُ قد تعلمت من المخلوقات شيئاً .. فقد علمتني أني " لا أعلم ".. وأني لازلت في بداية الطريق نحو ماخلقنا الله لأجله ..
Subscribe to:
Comments (Atom)