03 November 2011

لو كنت مع الأنبياء -٢

انتبهت للوحة معلقة داخل المركبة كتب عليها (ارشادات)، فذهبت لأقرأها علّني أجد ما ينفعني خلاال الرحلة، وبقراءة كسولة مررت على النقاط جميعها حتى استوقفتني عبارة (بالضغط على زر توقف ستهبط في الزمن الذي اخترته بضع دقائق ثم ستختفي معالم الزمان وتعود أدراجك) تعجّبت! لم أكن أعلم أن بإمكاني الهبوط والدخول في الأزمنة القديمة، انتابني خوف لوهلة، هل سأكون في أمان؟ هل يجب عليّ ذلك؟ واسترجعت منهج اللغة العربية كي أذكر معنى (بضع) اعتقد أنه فترة مابين الثلاثة والتسعة؟ زمنٌ قصير ..! وبينما أنا أفكر في ذلك إذ استمعت لصوت الناي. موسيقى تصدر من بوق أظنه صنع من قرن حيوان، ركضت للنافذة فإذا بي أرى أقواماً طوال القامة، وأسمع منادياً ينادي أحدهم (قابيل!) ... ماذا! هل وصلت لزمن سيدنا آدم وأنا لا أعلم؟! يا الله! كبست الزر بلا تفكير.. فلا أريد لهذه الآلة أن تأخذني لزمن غير آدميّ! لا أريد الابتعاد أكثر...
وقفت بي آلة الزمان في مكانٍ ما، وترجّلت منها وأنا ألتفت يمينا وشمالاً في الوديان... أرقب الجماعة من بعيد، فباغتني صوت من الخلف: من أنت؟
قفزت بقشعريرة لازمتني مدة، لأني التفتت ولم أجد الا ساقاً.. رفعت رأسي فإذا هو رجل طويل..طويل جداً..!
قلت: أنا مسافرة، جئت من زمان غير زمانكم، من أنت؟
قال: أنا قابيل ابن آدم.
قلت: ماذا تفعل بعيداً عن الجماعة؟
قال: جلست في هذا الوادي مغضوباً عليّ من أبي، وأغواني الشيطان فلم ارتكب الا إثماً بعد إثم.
قلت: أعرف قصتك جيداً لقد قرأتها مراراً، واعتبرت منها عبراً كثيرة، كان بودي أن أمكث معك لأعرفها منك بتفاصيلها ولكن لم يبق من وقتي إلا القليل. لو طلبت منك نصحاً ، بم ستنصحني للمستقبل؟
قال:
- لا تحسدي أحداً
- ولا تعالجي خطأً بخطأ فتدفنيه ظناً ألّن يعرفه أحد
- ولا يغوينّك الشيطان فليس منه الا الوهن والكبَد
قلت: صحيح.. شكراً لك .. هل لي أن أرى سيدي وأبي آدم؟ 
فوصف لي مكانه  وكان بعيداً...شكرته وودعته ... وذهبت مسرعة... 
الأمر هناك مختلف، رأيت النور والسلام يعمر أرجاء المكان، والصالحون سيماهم في الوجوه واضح جلّي..لم احتج الى السؤال، فقد عرفت سيدنا آدم من نوره، ذهبت إليه وعرفته بنفسي، وقلت أني من بنات أبنائه بعد حين .. قلت له: يا نبي الله، لو كنت أسئلك النصح والإرشاد، كيف ستختصره؟
قال: خلقنا الله في الجنة، وإليها يعيدنا، لم يخلقنا الله ليعذبنا، بل فتننا الملعون إبليس وأخرجنا منها، ابتعدي عنه تسلمي، وستعودين لجنة الخلد بإذن الله.
ثم اختفى كل شيء ..! عاد السواد ولا أرى شيئاً الا الظلمة الحالكة، أين ذهب أبونا آدم! أين الناس! لاشيء على مد البصر.. حزنت كثيراً وكنت أتطلع في كل مكان ولا ارى شيئاً..  ثم تراءت لي آلة الزمن من بعيد فعرفت أن وقتي قد انتهى.. ذهبت إليها حزينة، لم أرد أن ينتهي حواري مع نبي من انبياء الله بهذه السرعة، نظرت للساعة فإذا الوقت الذي قضيته كان تسع دقائق. عرفت حينها أن لكل وقفة تسعة دقائق فقط من التفاعل لذا قررت أن لا أضيّع أي دقيقة منها على حوار مع غير الأنبياء، وسأختصر الحوار على سؤال كل نبي عن النصح والارشاد .. حتى أستفيد من تجاربهم ولا أخطئ أخطاء أقوامهم.. اغلقت باب الآلة، جلست على مقعدي وتنهدت تنهيدة خيبة أمل، ثم ضغطت زر (انطلق) وعادت الآلة للحراك واستأنفنا السفر.



((يتبع))

لو كنت مع الأنبياء



تخيلت لوهلة أني قد ركبت آلة الزمن وجلست على مقعد القيادة أرى شاشة عريضة أمامي مليئة بالأرقام، وعلى نهاية الشريط الأليكتروني توجد كلمة (سنوات)، ياه ! هل أضع أرقاماً كي أعود لأي زمان؟ هل ستكون رحلة قصيرة أم طويلة؟ هل ستتضمن تذكرة العودة أم سأبقى حبيسة الماضي الذي لا أعرفه؟ لا أعلم، أظنني لا أكترث.
الكثير من الأزرار في كل مكان، وأمامي بضعة منهم أحدهم كبيرٌ دائري عليه كلمة (توقّف) والآخر (إنطلق).. أظنني أعرف كيف يستخدم كلٌ منهم، إلى أين سأذهب؟ تسعة ثلاثة خمسة سبعة وأربعة أصفار.. سأبدأ بهذا.. بسم الله.
لا أرى شيئاً. لماذا لا أشعر بشيء يدفعني للخلف بشدة .. لازلت على المقعد! أهي سرعة الانطلاق؟ أم أنني قد وصلت لوجهتي؟ بلمحة سريعة خلال النافذة، لا أزال في فناء منزلي الخلفي! أوه لم أكبس الزر! اشعر بالغباء .. انطلقي مركبتي ... اريني ماعندك.. كبسته بسبابتي واستلقيت عند النافذه.
كانت الرحلة بطيئة جداً، بعكس ما صورتها لنا شركات المرئي والمسموع، لم أرى وميضاً في أي مكان، كان ارتفاعاً بطيئاً للسماء وكأنني في مكوكٍ فضائي راحلٌ للمجرة، استندت وشاهدت، عندما بدأت أدخل في الظلام، وجدت أشياءً تظهر خلف السواد، ماهذا؟ إنها صور.. بل مقاطع مرئية.. لا لا إنها العصور السابقة! ها هو جدي ..! قفزت من مقعدي ولوحّت بلهفة أناديه: ((( جدّي ))) .. لم يستمع إليّ .. حاولت جاهدةً ولكنني لم ألفت انتباهه ...وفات ذلك الزمان، خاب ظني، وضعف أملي.. وعدت للسكون مرة أخرى. أنظر للنافذة .. أرى عصراً بعد عصر وزماناً بعد زمان، بصورة رهيبة خيالية.. 

((يتبع))