
الحقيقة أن هذا سؤال مهم ، والأهم منه أن نُجيب عليه ..
فنقول :
إنه لا يمكن لذي عينين أن يُنكر إقبال الناس على الخير في رمضان ، وكفِّ الكثير منهم عن الكثير من الذنوب والعصيان ، فها أنت ترى المساجد تمتلئ بعد قطيعة ، والفقراء يغتنون بعد مسغبة ، والقرآن يُتلى بعد هجر ، وترى معالم الإيثار بعد مظاهر الأثرة ، وتبصر النفوس تسكن ، والضمائر ترتاح ، والقلوب ترضى ، والصلات تعود ، والروابط تقوى ، وغير ذلك مما لا تكاد تراه في غير رمضان ، فهذا دليل ظاهر على الإقبال بعد الإدبار ، والرجوع عقب التولي ، وفي أعداد التائبين الرمضانيين ما يفوق العد والحصر ، والمرد في ذلك الخير إلى تصفيد الشياطين وسلسلتهم لمنعهم من وسوستهم …
ومن الردود على هذا الإشكال والإجابة على السؤال ، نقول :
* أن الشياطين لا تخلص فيه لِما كانت تخلص إليه في غيره ، فتضعف قواها ، وتقل وسوستها ، لكنها لا تنعدم بالكلية ..
* وربما أن المراد بالتصفيد والسلسلة إنما هي للمردة ورؤوس الشياطين ، دونما من دونهم ، فيفعل الصغار ما عجز عن بعضه الكبار ، وقيل العكس ، فالمصفد الصغار ، والمطلوق كبيرهم وزعيم مكرهم وكيدهم لأن الله أجاب دعوته بأن ينظره إلى يوم يبعثون ، ليواصل الإغواء والإغراء والإضلال ، وفي كلا الحالين فالعدد يقل ، والوسوسة تضعف ..
* وربما أن المراد أن الصيام يستلزم الجوع ، وضعف القوى في العروق وهي مجاري الشيطان في الأبدان ، فيضعف تحركهم في البدن كأنهم مسلسلون مصفَّدون ، لا يستطيعون حراكاً إلا بعسر وصعوبة ، فلا يبقى للشيطان على الإنسان سلطان كما في حال الشبع والري ..
* وربما أن المراد أن الشياطين إنما تُغل عن الصائمين المعظمين لصيامهم ، والقائمين به على وجه الكمال ، والمحققين لشروطه ولوازمه وآدابه وأخلاقه ، أما من صام بطنه ولم تصم جوارحه ولم يأت بآداب الصيام على وجه التمام ، فليس ذلك بأهل لتصفيد الشياطين عنه ..
* وربما أن المراد أن الشياطين يصفدون على وجه الحقيقة ، ويقيدون بالسلاسل والأغلال ، فلا يوسوسون للصائم ، ولا يؤثرون عليه ، والمعاصي إنما تأتيه من غيرهم كالنفس الأمارة بالسوء ..
ومن المعلوم المفهوم والمحسوس الملموس أن الشياطين ينقسمون إلى شياطين إنس وشياطين جن ، فمن يحمينا من شياطين الإنس الذين ينشط بعضهم في رمضان أكثر من أي شهر آخر؟!
فهم يقومون بدور إبليس على أكمل وجه ، ويحتلون مكان الشيطان على أتمِّ صورة ، ويهتفون في مسمعه البغيض ، نم فإن عليك شهر طويل عريض ، ونحن على آثارك مهتدون ، وبدورك قائمون ، وعن مهام حزبك مناضلون ، ونظرة منك فاحصة لِما يُعرض في أكثر القنوات الفضائية في رمضان يثبت لك ما يقوم به شياطين الإنس من سوء وفحش يعجز عن إخوانهم المصفدين ، فيا ليت شعري متى نرى القيود والأصفاد في أرجل هؤلاء الشياطين المفسدين ، نعوذ بالله منهم أجمعين !
عبداللطيف بن هاجس الغامدي