انتهى العرض، وانتهت رحلة العذاب المختصرة التي عُرضت علينا بإتقان، خرجنا وجزء في داخلنا يعتصر ألماً على صور الأطفال الذين عُذبوا بوحشية، كان الفيلم كئيباً وتفطر له الأفئدة... لم يستطع أيّ منا حبس التنهيدة التي كانت محبوسة في الداخل..
اتجهنا جميعاً للقاعة الرابعة.. المجهزة بصور وتفاصيل المحرقة.. حيث تبدأ تفاصيل رحلة الحجيم، كما أُطلق عليها..
"عندما بدأت الحرب على اليهود كنت صغيراً - قرابة الثلاث عشرة ربيعاً " قالها المرشد ونحن نسير في ممر مليء بالمعروضات القديمة: صور هنا وهناك، وقطع من ملابس جنود ألمان وقطع من ملابس خيطت ووزعت لليهود والتي أجبروا على ارتدائها، منها لباس مخطوط طولية و قطعةٌ على شكل نجمة داوود كتب عليها بلغة برلين "يهودي"

"كان إجباراً علينا ارتداؤها، أي يهودي لا يرتديها يُعدم على الفور دون أن يعطى أي فرصة للشرح أو التوضيح، كان الوضع مخيفاً في برلين، أنا يهودي ولكني ألماني ! ولي في هذه الدولة حقوق تساوي أي ألماني آخر، إلا أن الحقد قد أعمى جنود هتلر، فلم يعودوا يرون هم وقائدهم أي سبب لإبقائنا على وجه الحياة"
الجانب الإنساني منّي تألم، أحسست بوخزة في فؤادي وتذكرت كيف كانت الأوضاع مشابهةّ لنا في الكويت إبان الغزو العراقي الغاشم، وكيف أن العديدين قد عانوا الأمرّين في ظروف مشابهه، وكم كويتياً لاقى حتفه لمجرد أنه "كويتي" ..
عدت للإصغاء، وقد كان المرشد يحكي قصة الجثث وهو يشير إلى لوحة فيها أناس قد تكدسوا في كومة كأنهم جبل من القش الفاسد، أجساد هزيلة، لا حياة فيها، أكاد أرى العظام فوق اللحم من شدة ما عانوا من الجوع.. قيل أنهم وجدوا في سجن وقد ماتوا لانعدام القوت.. والبعض الآخر من الموجودين أشار إلى أنها نتيجة لعمليات تعذيب عشوائية لليهود ..
مررنا بلوحة أخرى لأسلاك شائكة.. وخلف الأسلاك يقف أطفال صغار بلباس السجن.. كان ذلك معتقلاً لليهود في آخر أيامهم، قبل أن يرحّلوا ويُقتل بقيتهم ..
قال المرشد: "عندما بدات الأمور تشتد، وزاد القتل في منطقتنا والمناطق القريبة منّا .. خاف أبي عليّ، كنت صغيراً ولا أعرف كيف أدافع عن نفسي، فما كان من أبي إلا أن غيّر إسمي إلى "والتر" .. اسمٌ مسيحي.. وألحقني في مدرسة داخلية لصغار المسيحيين..." سكت قليلاً وانطلقت عيناه للسماء ، كمن كان يرى أباه في السماء وشكره، ثم أكمل: "أعطاني أبي إنجيلاً .. وقال لي: يا بني، لا تكشف هويتك، أنت الآن مسيحي، وقم بما يقومون به، وسأعود إليك."
"لم يعد أبي" ... "قضيت في تلك المدرسة خمس سنوات ولم أعرف ماكان يحدث خارج أسوار المدرسة.. لم يأت إليّ أبي كما وعدني..."
أصبح عمري 19 عاماً عندما ....
[يتبع]
