30 September 2010

رحلتي إلى المتحف اليهودي في سيدني - 2

في تلك اللحظة، وبعد أن رأيت المرشد يقف أمام قاعة العرض ينتظرنا، خلف الباب.. يحاول بجهد عدم تشتيت انتباهنا وقطع انسجامنا، بدرت في خاطري فكرة: أن أنسى لفترة من الزمن أني "مسلمة"، أفتح باب الفطرة لأن تقرر ما إذا كان هذا الدين صالحاً ليكون ديناً للجميع.. لم أشك للحظة بأني سأجد البديل عن ديننا الحنيف، كنت متيقنة أتم اليقين أن لا دين على وجه الكرة الأرضية بكمال الإسلام، ولكن أحسست بقليل من التحدي واختبار الذات.. وعزمت على أن استمع لتفاصيل الدين اليهودي من رجل يهودي .. بالولادة!

انتهى العرض، وانتهت رحلة العذاب المختصرة التي عُرضت علينا بإتقان، خرجنا وجزء في داخلنا يعتصر ألماً على صور الأطفال الذين عُذبوا بوحشية، كان الفيلم كئيباً وتفطر له الأفئدة... لم يستطع أيّ منا حبس التنهيدة التي كانت محبوسة في الداخل..
اتجهنا جميعاً للقاعة الرابعة.. المجهزة بصور وتفاصيل المحرقة.. حيث تبدأ تفاصيل رحلة الحجيم، كما أُطلق عليها..

"عندما بدأت الحرب على اليهود كنت صغيراً - قرابة الثلاث عشرة ربيعاً " قالها المرشد ونحن نسير في ممر مليء بالمعروضات القديمة: صور هنا وهناك، وقطع من ملابس جنود ألمان وقطع من ملابس خيطت ووزعت لليهود والتي أجبروا على ارتدائها، منها لباس مخطوط طولية و قطعةٌ على شكل نجمة داوود كتب عليها بلغة برلين "يهودي"


"كان إجباراً علينا ارتداؤها، أي يهودي لا يرتديها يُعدم على الفور دون أن يعطى أي فرصة للشرح أو التوضيح، كان الوضع مخيفاً في برلين، أنا يهودي ولكني ألماني ! ولي في هذه الدولة حقوق تساوي أي ألماني آخر، إلا أن الحقد قد أعمى جنود هتلر، فلم يعودوا يرون هم وقائدهم أي سبب لإبقائنا على وجه الحياة"

الجانب الإنساني منّي تألم، أحسست بوخزة في فؤادي وتذكرت كيف كانت الأوضاع مشابهةّ لنا في الكويت إبان الغزو العراقي الغاشم، وكيف أن العديدين قد عانوا الأمرّين في ظروف مشابهه، وكم كويتياً لاقى حتفه لمجرد أنه "كويتي" ..

عدت للإصغاء، وقد كان المرشد يحكي قصة الجثث وهو يشير إلى لوحة فيها أناس قد تكدسوا في كومة كأنهم جبل من القش الفاسد، أجساد هزيلة، لا حياة فيها، أكاد أرى العظام فوق اللحم من شدة ما عانوا من الجوع.. قيل أنهم وجدوا في سجن وقد ماتوا لانعدام القوت.. والبعض الآخر من الموجودين أشار إلى أنها نتيجة لعمليات تعذيب عشوائية لليهود ..

مررنا بلوحة أخرى لأسلاك شائكة.. وخلف الأسلاك يقف أطفال صغار بلباس السجن.. كان ذلك معتقلاً لليهود في آخر أيامهم، قبل أن يرحّلوا ويُقتل بقيتهم ..

قال المرشد: "عندما بدات الأمور تشتد، وزاد القتل في منطقتنا والمناطق القريبة منّا .. خاف أبي عليّ، كنت صغيراً ولا أعرف كيف أدافع عن نفسي، فما كان من أبي إلا أن غيّر إسمي إلى "والتر" .. اسمٌ مسيحي.. وألحقني في مدرسة داخلية لصغار المسيحيين..." سكت قليلاً وانطلقت عيناه للسماء ، كمن كان يرى أباه في السماء وشكره، ثم أكمل: "أعطاني أبي إنجيلاً .. وقال لي: يا بني، لا تكشف هويتك، أنت الآن مسيحي، وقم بما يقومون به، وسأعود إليك."

"لم يعد أبي" ... "قضيت في تلك المدرسة خمس سنوات ولم أعرف ماكان يحدث خارج أسوار المدرسة.. لم يأت إليّ أبي كما وعدني..."

أصبح عمري 19 عاماً عندما ....


[يتبع]

رحلتي إلى المتحف اليهودي في سيدني - 1



عندما ذهبت لسيدني في أستراليا -وكعادتي في كل بلد أزورها- ذهبت لمكتب السياحة في باحة الفندق وتوقفت أمام رف المطويات والاعلانات والخرائط.. وأخذت نسخة من كل مجموعة منها بما فيها خريطة المنطقة كاملة .. ثم توجهت للغرفة وبدأت في قراءتها و توزيع المغامرات على صفحة للأيام التي سأقضيها -كنت قد أعددتها وطبعتها مسبقاً- وبينما كنت أرتب أفكاري وأرى خطوط الشوارع في الخريطة وكيف سأصل لكل نقطة في جدول أعمالي، وجدت كلمات مكتوبة بخط صغير .. على جانب أحد الطرق.. تمعنت في الحروف وإذا هو "المتحف اليهودي لعرض قصة المحرقة" !! ،، اتسعت عيناي من البهجة ، وأحسست أن هذا المكان هو ما أود الذهاب إليه فأدرجته في الجدول!
في اليوم الموعود، أثار دخولي للمتحف دهشة موظف الاستقبال، وابتسم لهيئتي وحجابي وأردف مرحباً: تفضلوا ! كان المبنى في قمة الرقي، فالمدخل مميز، والحوائط تحمل عبارات تعريفية وبألوانٍ رمادية، كان كل شيء هادئاً .. بدأت في القاعة الأولى بقراءة الكتيبات والروايات المعروضة لشرح معنى اليهودية، وقد حوى الرف الكثير من الروايات الأدبية التي تحدثت عن المحرقة والتعذيب الألماني ومنها قصة الفيلم a boy in the striped pijamas، ثم انتقلت للقاعة الثانية والتي تشمل طقوس العبادة والشمعدانات ولباس القديسين والحاخامات وصيام السبت والمحرمات وغيرها من تفاصيل الدين.. تعلمت الكثير ممن لم أكن لأجده في أي مكان آخر.. كانت متعة حقيقية .. أما القاعة الثالثة ففيها شاشة كبيرة لفيلم تعريفي لما حدث لليهود في برلين، كنت قد بدأت في مشاهدته ودخلت بكل جوارحي إلى عالم اليهود آنذاك، فالصور ومقاطع الفيديو والموسيقى التصويرية جعلت من الحاضرين حولي يبكون، ولا أكذب إن قلت أني قد تأثرت .. عندها قاطع ذلك الإنسجام صوت مرشد المعرض، كان صوته أبوياً حنوناً يرحب بالجميع، فألتفت لأجده رجلاً كبيراً في السن ، لم أكن من المهرة في تحديد الأعمار، فخمّنت أنه في السبعين من عمره، إلا أن حدسي قد ضيّع من عمره عقدين كاملين !
كان المرشد رجلاً في التسعين، محافظ على شبابه ومرتب في هندامه، ولم يكن الشيب الكثيف في شعره عقبةً تعيق روحه الفكاهية وحبه للحياة، عرّف بنفسه على أنه مرشدنا، يهوديّ، في التسعين، ومن آخر الاجيال التي شهدت الحرب العالمية الثانية والمحرقة التي عانى منها اليهود !
اصطفت علامات الدهشة على جبهتي ووجنتيّ.. قد خلت أن المحرقة قد حدثت في زمن بعيـــد جداً ولكن عزائي في قدرتي على التخمين قد سهّل علي الأمر فتقبلته...

بدأ المرشد في إرشادنا .. وبدأت أدخل في تفاصيل القصة...



[يتبع]