13 June 2011

تكاسي شيكاغو -1



في الصيف السابق وتحديداً في يوليو 2010، انتابني شعور غريب بالملل، واحسست بكثرة المشاغل والمتاعب وضغط العمل والمسؤوليات ورغبت –بشدة- أن أغير شيئاً في تواتر أيامي، شيء مختلف، بعيداً عن الأهل والأسرة والعمل والأصدقاء ولو كان بيدي لقلت شيئاً بعيداً عن نفسي أيضاً، كأن أغير جلدي مثلاً، ولكنه كان محالاً.. شاءت الأقدار ان تأتيني فرصة من ذهب، فقد رُشح أخي الأكبر لدورة في شيكاغو لمدة أسبوع وسيذهب لوحده ويستمر أياماً أكثر هناك للقاء بعض زملاء الدراسة، ففرحت وقررت الذهاب معه ولكن بشرط !
أن أسافر بعده بيوم وأرجع قبله بيوم (لماذا؟) لكي أجرب السفر لوحدي، لم أقم بذلك مسبقاً وفيه نوع بسيط من المغامرة قد ترجع لنفسي بعض سعادتها، وكان كذلك، ذهبت إلى شيكاغو ومررت في المطارات لوحدي.. وووصلت بالسلامة، ولأن أخي كان مرتبطاً بالعمل من السابعة صباحاً حتى الخامسة عصراً فقد كانت لديّ 10 ساعات يومياً من المغامرات والاكتشافات، مدينة جديدة تماماً، لا أعرف مكاناً فيها ولا أحداً يخبرني بما يميزها، ليس لدي سوى الخرائط والخطوات وبدأت في المسير، كنت أستيقظ في السادسة صباحاً وأبدأ المشي مسافات بعيدة ثم –وبعد نهاية المغامرات من متاحف ومحلات ومسارح وكليات وحدائق ورحلات- أعود في أحد سيارات الأجرة الصفراء وفي كل مرة يدور حديث بيني وبين السائقين مختلف تماماً كاختلاف السائقين أنفسهم.


القصة الاولى كانت عندما أردت الخروج من متحف علمي عن طاقات الأرض في إحدى زوايا شيكاغو والذهاب إلى متحف علمي آخر عن الديناصورات في الزاوية الأخرى، كان متحفاً بعيداً.. ففضلت أن تكون رحلة الأجرة بقيادة إمرأة، ولأن القانون هناك يحترم الأدوار فقد وقفت بالقرب من الرصيف الموازي لسيارات الأجرة ووجدت أن أول عدد من السيارات يقودها رجال ثم تأتي سيارة إجرة تقودها إمرأة ففضلت الانتظار وجلست أقرأ قليلاً حتى وصل دور المرأة فاستأذنتها بالدخول.
كانت امرأة سوداء بسيطة، في أواخر الأربعينات أوائل الخمسينات حسب تقديري، وكانت تلف شعرها بقطعة قماش ملونه على هيئة قبعة فلا يظهر من شعرها شيء، بدأتُ بإلقاء التحية فالتفتت وردتهّا إلي بابتسامة، ثم لاحظت حجابي فابتسمت بإشراق وسألتني: هل أنت مسلمة؟ قلت نعم قالت: وأنا كذلك، فصححت سلامي لها وقلت: إذا السلام عليكم!
كانت كالطفلة السعيدة التي دخلت غرفتها فوجدت لعبة رائعة، فرحت كثيراً بلقاء عربية مسلمة وسألتني عن وجهتي ثم ذهبنا. وبدأنا نتحدث قليلاً عن الإسلام والعادات والتقاليد، ثم سألتني عن حياتنا في الخليج وماذا اعمل، واستغربت قدرتنا على السفر والسياحة وكيف أنهم يشتغلون ليلاً نهاراً ليوفروا مصروف دراسة ابنائهم ثم دخلنا في رغبتها الملحة لتوفير أموال للحج وكيف انها تتمنى أن ترى الكعبة، انفطر قلبي لحالها وإيمانها خاصةً حين قالت أنها صائمة –وكنا في رمضان- وقلت في قلبي سبحان الله كيف انهم وإسلامهم ضعيف وبعيدين عن مكة والمدينة نجدهم يصومون حتى الثامنة مساءً وشبابنا لا يصوم وقتاً أقصر ويسهر على المسلسلات ويؤجل الحج، فتحت حقيبتي أبحث عن أي شيء يُسعدها فإذا بها عطر، كان أفضل شيء يمكنني تقديمه لها، أعطيتها إياه وقلت هذه هديّة العيد لأنك صائمة، لم تتمالك نفسها حتى اننا كنت سنصطدم بأحدى السيارات، قالت هذا العطر باهض الثمن كم سعره، ولم أرد اخبارها الا أنها أصرت، فبعد التحويلات المالية وقد خصمت منه بعض الدولارات –كمية العطر المستخدم- حتى لا تصاب بجلطة واخبرتها قالت: هذه الهدية لن أنساها طوال حياتي، قلت لها ما اطلبه منك هو دعاء لي بالخير إذا استطعت الذهاب للحج يوما ما ! فوعدتني وقالت سأفعل! حينها توقفت سيارتنا فقد وصلنا وجهتنا، أعطيتها الأجرة وزدتها مبلغاً من المال ثم ترجّلت من السيارة فقالت: سؤال أخير يا صغيرتي.. هل أنتي أميرة عربية؟ قلت لها: بل أنا مسلمة .. :-) وأغلقت الباب وأنا أبتسم.