
عندما ذهبت لسيدني في أستراليا -وكعادتي في كل بلد أزورها- ذهبت لمكتب السياحة في باحة الفندق وتوقفت أمام رف المطويات والاعلانات والخرائط.. وأخذت نسخة من كل مجموعة منها بما فيها خريطة المنطقة كاملة .. ثم توجهت للغرفة وبدأت في قراءتها و توزيع المغامرات على صفحة للأيام التي سأقضيها -كنت قد أعددتها وطبعتها مسبقاً- وبينما كنت أرتب أفكاري وأرى خطوط الشوارع في الخريطة وكيف سأصل لكل نقطة في جدول أعمالي، وجدت كلمات مكتوبة بخط صغير .. على جانب أحد الطرق.. تمعنت في الحروف وإذا هو "المتحف اليهودي لعرض قصة المحرقة" !! ،، اتسعت عيناي من البهجة ، وأحسست أن هذا المكان هو ما أود الذهاب إليه فأدرجته في الجدول!
في اليوم الموعود، أثار دخولي للمتحف دهشة موظف الاستقبال، وابتسم لهيئتي وحجابي وأردف مرحباً: تفضلوا ! كان المبنى في قمة الرقي، فالمدخل مميز، والحوائط تحمل عبارات تعريفية وبألوانٍ رمادية، كان كل شيء هادئاً .. بدأت في القاعة الأولى بقراءة الكتيبات والروايات المعروضة لشرح معنى اليهودية، وقد حوى الرف الكثير من الروايات الأدبية التي تحدثت عن المحرقة والتعذيب الألماني ومنها قصة الفيلم a boy in the striped pijamas، ثم انتقلت للقاعة الثانية والتي تشمل طقوس العبادة والشمعدانات ولباس القديسين والحاخامات وصيام السبت والمحرمات وغيرها من تفاصيل الدين.. تعلمت الكثير ممن لم أكن لأجده في أي مكان آخر.. كانت متعة حقيقية .. أما القاعة الثالثة ففيها شاشة كبيرة لفيلم تعريفي لما حدث لليهود في برلين، كنت قد بدأت في مشاهدته ودخلت بكل جوارحي إلى عالم اليهود آنذاك، فالصور ومقاطع الفيديو والموسيقى التصويرية جعلت من الحاضرين حولي يبكون، ولا أكذب إن قلت أني قد تأثرت .. عندها قاطع ذلك الإنسجام صوت مرشد المعرض، كان صوته أبوياً حنوناً يرحب بالجميع، فألتفت لأجده رجلاً كبيراً في السن ، لم أكن من المهرة في تحديد الأعمار، فخمّنت أنه في السبعين من عمره، إلا أن حدسي قد ضيّع من عمره عقدين كاملين !
كان المرشد رجلاً في التسعين، محافظ على شبابه ومرتب في هندامه، ولم يكن الشيب الكثيف في شعره عقبةً تعيق روحه الفكاهية وحبه للحياة، عرّف بنفسه على أنه مرشدنا، يهوديّ، في التسعين، ومن آخر الاجيال التي شهدت الحرب العالمية الثانية والمحرقة التي عانى منها اليهود !
اصطفت علامات الدهشة على جبهتي ووجنتيّ.. قد خلت أن المحرقة قد حدثت في زمن بعيـــد جداً ولكن عزائي في قدرتي على التخمين قد سهّل علي الأمر فتقبلته...
بدأ المرشد في إرشادنا .. وبدأت أدخل في تفاصيل القصة...
[يتبع]
No comments:
Post a Comment