29 June 2011

تكاسي شيكاغو -2



ركبت ذات يوم في أحد سيارات إجرة شيكاغو الصفراء عازمة على الذهاب إلى منطقة مجاورة، وصادف أن كان سائق السيارة أمريكياً أشقراً بدرجة صفراء فاقعة ويشبه إلى حد ما لاعب المصارعة المشهور هلك هوغان، رحب بي وسألني عن وجهتي فأخبرته بأني ذاهبة للمكان المنشود، وسار بي إلى المنطقة، وعند أول إشارة مرور سألني عن بلدي ومن أين جئت، وطبعاً كان من الطبيعي أن أستهل بالكلمات التي تثير فيهم الحوار الديني لأني أحبه فقلت: أنا كويتية مسلمة، قال: اها ، أنا لا أعرف كثيراً عن الكويت ولكن أعرف عن الإسلام بعض الأشياء، هو الدين الذي يعبد القمر أليس كذلك؟ ترّسمَت في وجهي علامات الذهول! كنت قد اعتقدت أن الاسلام معروف للجميع، أو على الأقل كنت أتوقع أن يذكر الجملة المعتادة (الدين الذي يعبد الصندوق الأسود في الصحراء) ولكن لم يذكر لي أحد أننا نعبد القمر! فقلت له باستغراب: نحن لا نعبد القمر من قال لك ذلك؟ فقال: أرى الهلال على مساجدكم كلها، فظننت أنكم تقدسون القمر وتعبدونه، وأحسست بالخجل يلف كلماته، فابتسمت وقلت ذاك الهلال يدل على التأريخ الذي نتبعه، نحن لا نعتمد على التقويم الشمسي، بل تاريخنا وأشهرنا وعباداتنا مقرونة بمنازل القمر، فأول الشهور عندنا نعرفه بالهلال، وأوسطه البدر، وينتهي بالمحاق، فننتظر ولادة الهلال من جديد كبداية للشهر الجديد.
ساد صمت قليل، أحسست بأنه أُحرج من سؤاله فلا يود الوقوع بأسئلة تُظهره غير مدرك لما يدور حوله، فقال إني لا أعرف الكثير عن الاديان والآلهة، كل ما أعرفه هو أننا نشأنا صدفة من نظرية الانفجار العظيم (البيغ-بانغ) وأننا تطورنا من قردة ثم ذكر طرفة (لاأذكرها صراحة) وانفجرنا من الضحك. قلت له قد تكونون قردة إذا أعجبكم، ولكننا لسنا قردة لقد خلقنا بشراً منذ البداية، ولم يكن جدي قرداً، قصة خلقنا مذكورة في القرآن وتختلف تماماً عما يقال، أتود سماعها؟
فاستهل وجهه وقال نعم! بالتأكيد...
هنا تذكرت أقراص الاستاذ الفاضل طارق السويدان، وقصة نشأة الخلق، وبدأت أسرد له الرواية وكأننا في فيلم قصير، بدأت بوجود الإله والملائكة من نور تعبده، ووصفت البيت المعمور والسلام والطمأنينة، وكيف أن الشيطان مخلوق من نار وكان عبداً صالحاً كالملائكة، ثم أن الله أراد أن يخلق له خليفة في الأرض، فخافت الملائكة أن يفسدوا في الأرض ويسفكوا الدماء، فأخبرهم الله بعلمه أنه يعلم الإنسان وأن الإنسان يعلم مالا تعلمون، وخلق الله آدم من طين وكان مجوفاً، في حين أن الملائكة والشياطين غير مجوفين، فقبل أن ينفخ فيه الروح كان الشيطان يمر على تمثاله يتعجب، ماهذا المخلوق، فيدخل من فمه ويخرج من دبره، ويقول لأغوينه لأغوينه، ولما نفخ الله فيه الروح وأصبح كائناً حياً أراد الله لجميع الملائكة والشياطين أن تسجد له، فسجدوا الا ابليس أبى واستكبر ورفض الخضوع للإنسان، وقال أنا أفضل منه خلقت من نار وخلق من طين، فأغضب الله فلعنه، وكان سيدخله السعير لولا أن طلب الشيطان مهلة فقال: أنظرني إلى يوم يبعثون، أي امهلني حتى يوم القيامة لأغوينه هو وابناءه فمن اتبعه مني فيأتي معي للجحيم ومن لا يطيعني فأدخله الجنة، فأعطاه الله ما أراد، وألهم الناس فجورهم وتقواهم، ومنذ ذلك الحين يا صديقي العزيز والشيطان يحاول أن يجعلنا نزل ونخطئ حتى نذهب معه للجحيم ونحن نحاول أن نحافظ على أخلاقنا العالية حتى نذهب للجنة :)
قال: يااااه، هذه القصة حيكت بعناية !
لم أكن متأكدة من أنه صدّق ما أقول، ولكن هذه الأحداث سترّن في أذنه يوماً ما، وقد يخبرها لغيره فيسترضيها ويؤمن بها ، لا نعلم ..
انتهى الحديث بذلك، وعدت لقراءة ما كان في يدي، لأوهمه بانشغالي فيخلو بنفسه يفكر في قصتي، استمرت الرحلة بضع دقائق أخرى، أعطيته مايستحق من أجرة وترجلت من السيارة متمنية له يوماً سعيداً .

2 comments:

  1. صباح الخير

    للأمانة ، القصة تحتاج الى إيمان ليتم تصديقها

    والايمان لا يكون بما هو حقيقي أو بما هو مثبت علميا

    الايمان يكون بالغيب وبما نجهل

    ولعل هذا الشي صعب على من لم يولد بالفطرة مسلم
    ..

    وأنت تروين القصة ، كأنك تسردين قصه من قصص هاري بوتر ، أو لورد أوف ذا رينج

    لما فيها من الغرابة ، ولكننا نؤمن بها

    عسى الله يحفظك ويكتب لك الخير والسعادة


    سعد

    :)

    ReplyDelete
  2. أؤيدك ولا أؤيدك ..

    الجانب الأول في أن هذه الأمور الغيبية تحتاج إلى إيمان وتسليم تام

    ولكن ليس لمن ولد بالفطرة مسلماً فكلنا مفطورون على الإسلام، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، بمعنى أن هذه الأمور جزء غائب علينا فقط إعادته للطريق السليم فيلتفت إليها ويفكر فيها وسيقتنع بها حتى وإن أنكر


    حصة

    ملاحظة: هناك مشكلة في تسجيل الدخول لذلك علّقت بمعرف مجهول

    ReplyDelete