13 June 2011

تكاسي شيكاغو -1



في الصيف السابق وتحديداً في يوليو 2010، انتابني شعور غريب بالملل، واحسست بكثرة المشاغل والمتاعب وضغط العمل والمسؤوليات ورغبت –بشدة- أن أغير شيئاً في تواتر أيامي، شيء مختلف، بعيداً عن الأهل والأسرة والعمل والأصدقاء ولو كان بيدي لقلت شيئاً بعيداً عن نفسي أيضاً، كأن أغير جلدي مثلاً، ولكنه كان محالاً.. شاءت الأقدار ان تأتيني فرصة من ذهب، فقد رُشح أخي الأكبر لدورة في شيكاغو لمدة أسبوع وسيذهب لوحده ويستمر أياماً أكثر هناك للقاء بعض زملاء الدراسة، ففرحت وقررت الذهاب معه ولكن بشرط !
أن أسافر بعده بيوم وأرجع قبله بيوم (لماذا؟) لكي أجرب السفر لوحدي، لم أقم بذلك مسبقاً وفيه نوع بسيط من المغامرة قد ترجع لنفسي بعض سعادتها، وكان كذلك، ذهبت إلى شيكاغو ومررت في المطارات لوحدي.. وووصلت بالسلامة، ولأن أخي كان مرتبطاً بالعمل من السابعة صباحاً حتى الخامسة عصراً فقد كانت لديّ 10 ساعات يومياً من المغامرات والاكتشافات، مدينة جديدة تماماً، لا أعرف مكاناً فيها ولا أحداً يخبرني بما يميزها، ليس لدي سوى الخرائط والخطوات وبدأت في المسير، كنت أستيقظ في السادسة صباحاً وأبدأ المشي مسافات بعيدة ثم –وبعد نهاية المغامرات من متاحف ومحلات ومسارح وكليات وحدائق ورحلات- أعود في أحد سيارات الأجرة الصفراء وفي كل مرة يدور حديث بيني وبين السائقين مختلف تماماً كاختلاف السائقين أنفسهم.


القصة الاولى كانت عندما أردت الخروج من متحف علمي عن طاقات الأرض في إحدى زوايا شيكاغو والذهاب إلى متحف علمي آخر عن الديناصورات في الزاوية الأخرى، كان متحفاً بعيداً.. ففضلت أن تكون رحلة الأجرة بقيادة إمرأة، ولأن القانون هناك يحترم الأدوار فقد وقفت بالقرب من الرصيف الموازي لسيارات الأجرة ووجدت أن أول عدد من السيارات يقودها رجال ثم تأتي سيارة إجرة تقودها إمرأة ففضلت الانتظار وجلست أقرأ قليلاً حتى وصل دور المرأة فاستأذنتها بالدخول.
كانت امرأة سوداء بسيطة، في أواخر الأربعينات أوائل الخمسينات حسب تقديري، وكانت تلف شعرها بقطعة قماش ملونه على هيئة قبعة فلا يظهر من شعرها شيء، بدأتُ بإلقاء التحية فالتفتت وردتهّا إلي بابتسامة، ثم لاحظت حجابي فابتسمت بإشراق وسألتني: هل أنت مسلمة؟ قلت نعم قالت: وأنا كذلك، فصححت سلامي لها وقلت: إذا السلام عليكم!
كانت كالطفلة السعيدة التي دخلت غرفتها فوجدت لعبة رائعة، فرحت كثيراً بلقاء عربية مسلمة وسألتني عن وجهتي ثم ذهبنا. وبدأنا نتحدث قليلاً عن الإسلام والعادات والتقاليد، ثم سألتني عن حياتنا في الخليج وماذا اعمل، واستغربت قدرتنا على السفر والسياحة وكيف أنهم يشتغلون ليلاً نهاراً ليوفروا مصروف دراسة ابنائهم ثم دخلنا في رغبتها الملحة لتوفير أموال للحج وكيف انها تتمنى أن ترى الكعبة، انفطر قلبي لحالها وإيمانها خاصةً حين قالت أنها صائمة –وكنا في رمضان- وقلت في قلبي سبحان الله كيف انهم وإسلامهم ضعيف وبعيدين عن مكة والمدينة نجدهم يصومون حتى الثامنة مساءً وشبابنا لا يصوم وقتاً أقصر ويسهر على المسلسلات ويؤجل الحج، فتحت حقيبتي أبحث عن أي شيء يُسعدها فإذا بها عطر، كان أفضل شيء يمكنني تقديمه لها، أعطيتها إياه وقلت هذه هديّة العيد لأنك صائمة، لم تتمالك نفسها حتى اننا كنت سنصطدم بأحدى السيارات، قالت هذا العطر باهض الثمن كم سعره، ولم أرد اخبارها الا أنها أصرت، فبعد التحويلات المالية وقد خصمت منه بعض الدولارات –كمية العطر المستخدم- حتى لا تصاب بجلطة واخبرتها قالت: هذه الهدية لن أنساها طوال حياتي، قلت لها ما اطلبه منك هو دعاء لي بالخير إذا استطعت الذهاب للحج يوما ما ! فوعدتني وقالت سأفعل! حينها توقفت سيارتنا فقد وصلنا وجهتنا، أعطيتها الأجرة وزدتها مبلغاً من المال ثم ترجّلت من السيارة فقالت: سؤال أخير يا صغيرتي.. هل أنتي أميرة عربية؟ قلت لها: بل أنا مسلمة .. :-) وأغلقت الباب وأنا أبتسم.

08 June 2011

رحلتي إلى المتحف اليهودي في سيدني -8 والأخير




أول موضوع تكلمت فيه كان عن قاع المحيطات لأني كنت قد بحثت فيه بنفسي في تخرجي ومتمكنة من تفاصيله، فتحدثت عن طبقات المياه وتصنيفها حسب اختراق الضوء لها علمياً ولم أتطرق للقرآن الا في نهاية الشرح عندما وصلت للقاع الذي لا إضاءة فيه على الإطلاق لدرجة أن الأسماك تحتوي على مصابيح مضيئة من البكتيريا لتتمكن من الرؤية فيه، أحسست بأنه كان سعيداً بالمادية العلمية وانصدم عندما ذكرت له أن ذلك كان مذكوراً في كتابنا قبل 1400 سنة ، قبل الغواصات وأجهزة المسح والآلات، وهي الآية التي تقول: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ
كنت قد بدأت في محاضرة تخرجي بتلك الآية باللغة الإنجليزية وأحفظها عن ظهر قلب وقد أنقذني ذلك في سيدني:
Or like utter darkness in the deep sea: there covers it a wave above which is another wave, above which is a cloud, (layers of) utter darkness one above another; when he holds out his hand, he is almost unable to see it; and to whomsoever Allah does not give light, he has no light.
ثم أكملت بإعجاز القرآن في وصف طبقات رحم المرأة، ونشأة الإنسان ومراحل نموه وكيف أن الماء من مكونات كل الأشياء الحية وغرق فرعون ونسبة الملح في موميائه والكثير الكثير من الأشياء البسيطة التي اكتشفها العلم الحديث وكان مذكورة سلفاً في القرآن، وقلت له: وأنا اعلم أن هناك آيات كثيرة في قرآننا لم يتوصل لها العلم بعد وسنبقى في بحث وتحر واكتشاف إلى يوم الدين. لم يُخف المرشد إعجابه بثقتي بنفسي وحبي لديني وقال سأقرأ القرآن يوماً ما ، فصححت له جملته بابتسامة، لن تستطيع قراءته.
استغرب وقال لم؟ قلت له لأن ماعندكم هو ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الانجليزية وليس كلام الله وهذا مختلف ... لأنه مرهون بدقة المترجم وسيختلف من شخص لآخر حسب فهمه واجتهاد علمه وعالمه... عليك بتعلّم اللغة العربية أولاً .. وضحكت. قال لي إنه دين العرب إذن ... قلت بل دين الناس جميعاً نزل بأصعب اللغات آنذاك وهو نوع من الإعجاز ولم يتغير منذ ذلك الحين، هو ذاته القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وآله الذي أقرأه أنا اليوم، وإن أتيتني بالتوراة الأولى المنزّلة باللغة الأصلية لوجدت فيه ما يدلك على ديني، ولكن هذه النسخة غير موجودة. أتمنى أن تجدها يوماص ما وتدلني عليها، وسأؤمن بها :)
وبهذا الكلام ختمت حديثي الشيق معه وودعته بلباقة متمنية له عمراً مديداً وصحة وعافية، وتمنى لما هو السعادة كذلك وغادرنا المتحف بتجربة لا تنسى.

-انتهى-
"السلسلة الجديدة: قصة الخلق مع سائق التاكسي-شيكاغو"


رحلتي إلى المتحف اليهودي في سيدني - 7




كنت قد اعتقدت أن المرشد اكتفى بهذا القدر من المعرفة وأن ما قلته سابقاً أثار حفيظته فأنهى الحوار خاصةً وأنه التفت إلى باقي الحضور وبدأ في الإجابة على أسئلتهم، في هذه الأثناء كنت أنا وزوجي نتكلم جانباً ونخطط للساعات التي سنقضيها بعد خروجنا من المتحف خاصةً وأننا قضينا فيه أكثر من الوقت الذي حددناه له مسبقاً، فقاطعنا بعد أن انتهى من حواره مع الحضور قائلاً: نعود للحديث، هل تعلمون أن الحصان له جسم يختلف عن باقي الحيوانات وأن لحم الحصان هو من أجود أنواع اللحوم وتعالج بعض الأمراض؟
امتلأ وجهي بعلامات الاستفهام، فلم أستطع ربط هذه المعلومة بأيٍ مما قلته سلفاً وقد بدى عليّ الاستغراب وقلت: لا لم أعرف، وبصراحة لم أكن أعلم بأن الحصان يؤكل أصلاً وضحكت، فأردف: طبعاً لن تعلمي فهو محرّم أكله في دينكم. عرفت حينها أننا بدأنا في حوار مناهضة للدين الإسلامي، وكيف أنه سيثبت عدم اهلية ديني وبطلان صدقه، فعدت للتسلح بمعلوماتي ولبست درعي الحصين، واستدركت قائلة: الحمدلله أنه محرم، فلا أريد أن أتخيل نفسي وأنا آكل حصاناً !! قال ولكنه لذيذ، قلت له وكذلك الخمر والخنزير –الذي هو محرّم عندنا وعندكم- ولكن أعلم أن ربي الذي خلقني هو أعلم بما يضرني وما ينفعني، قال إذاً أنت لا تؤمنين بنظرية "الانفجار العظيم" وكيف نشأ الكون من صدفة، قلت له: أنا أؤمن بأن الله خلق كل شي في ستة أيام ثم استوى على العرش. ثم سألته: وكيف تؤمن أنت بنظرية الانفجار العظيم وهي تناقض اليهودية أصلاً خاصةً وأن نشأة الكون موجودة في أول سفر في كتابكم المقدس وهو سفر التكوين ! قال إني لا أؤمن بكل شيء فهناك بعض الأمور التي لا أفهمها ولا يفسرها التوراة، قلت له كتابكم يذكر الكثير من الماضي، وكتابنا يذكر الماضي والحاضر والمستقبل، لم تعجبه هذه الجملة، أحس بأنني أبالغ كثيراً وأتكلم بثقة مطلقة، وهنا استرجعت في ذاكرتي مشروع تخرجي وهو عن الاسماك الموجودة في قاع المحيطات، وتذكرت كتاب الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وبدأت في سرد التفاصيل العلمية في القرآن شيئاً فشيئاً ...

يتبع

07 June 2011

رحلتي إلى المتحف اليهودي في سيدني - 6




قلت له: إن في التوراة آية .. في سفر التثنية 18:18 تقول:
"I will raise them up a prophet,
from among their brethren,
like unto thee;
and I will put my words in his mouth,
and he shall speak unto them
all that I shall command him."

الترجمة:
سأقِيمُ لهُمْ نَبِيّاً
مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ
مِثْلكَ
وَأَجْعَلُ كَلامِي فِي فَمِهِ
فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ.

وأردفت.. إن هذه الآية نزلت لنبي الله موسى في التوراة تنبؤه بظهور نبي جديد من الإخوان وهذا النبي مثلك يا موسى وأكملت له الآية ثم ذكرت أن المعني ليس بعيسى عليه السلام، ولم أجد منه أي اعتراض .. استغربت لوهلة فقد اعتدت على قفز المسيحيين لي عند هذه النقطة والدفاع بأن الآية عن عيسى.. لكني تذكرت أنه يهودي ولا يؤمن بعيسى ايضاً ... لكني وجدت بعضاً من العيون تنظر إلي من الحضور فأكملت، وقلت إن سيدنا محمد هو المقصود لأنه يشبه سيدنا موسى، وسيدنا عيسى ليس المقصود و لا يشبه سيدنا موسى، فسألني: كيف؟

قلت له أولاً، قالت الآية إن النبي المبتعث سيكون من الإخوان، سيدنا موسى يرجع نسبه لإسحاق بن إبراهيم وسيدنا محمد يرجع نسبه لإسماعيل بن ابراهيم وهما الأخوة التي يجتمع عليه كل الناس في الأنساب آنذاك.

ثانياً سيدنا موسى وسيدنا محمد وُلدا بصورة طبيعية ولهما أب وأم وماتا بصورة طبيعية ، بينما عيسى ولد بمعجزة من غير أب ومات معذباً منكم وفي ديننا رفع للسماء، فهو لا يشبه سيدنا موسى بل سيدنا محمد من يشبهه

ثالثاً جاء سيدنا موسى بدين جديد وكتاب جديد وكذلك سيدنا محمد بدين جديد وتشريعات جديدة أما عيسى عليه السلام فجاء مصدّقاً لما بين يدي موسى ولم يأت بتشريعات جديدة، فمحمد يشبه موسى وعيسى لا يشبهه

رابعاً سيدنا محمد وسيدنا موسى تزوجا وأنجبا، وسيدنا عيسى لم يتزوج ولم ينجب

في هذه الأثناء أحسست أنه بدأ يشعر باهتمام الناس وكان يريد إنهاء الحوار بطريقة لطيفة، فقال أتحفظين التوراة ؟ وضحك

قلت له : لا أحفظه ولكنني قرأته ووجدته يدعمنا أكثر فنبينا لا يقرأ ولا يكتب وقد أنزل الله على لسانه الكلمات كما قالت التوراة بأن الله سيجعل كلامه في فمه.. وابتسمت.





يتبع

17 May 2011

رحلتي إلى المتحف اليهودي في سيدني - 5


لاحظ المرشد سعادتي ورغبتي في التحدث، وبإيماءة موافقة من زوجي بدأت في الحديث، قلت له في البداية كم أُعجبت بهذا المتحف الرائع فعلى الرغم من بساطته وسكون ألوانه إلا أنه نجح وبجدارة في جذب انتباهي لكل ركن من أركانه، ووضحت له أن موضوع المحرقة لم يكن واضحاً لي وقد اعتقدت أنها رواية تراجيدية يستخدمها اليهود لاستقطاب التعاطف العالمي وأنها أحد عُقد المظلومية التي يستخدمها كل أقليات العالم، ولكن بعدما رأيت وسمعت فأنا أقر بأن موضوعاً كهذا قد حدث.

ثم بدأت بربط ماذكره من أخلاق مع ديننا الحنيف كالجيرة وحسن الخلق ومساعدة الفقراء، فقاطعني.. قائلاً:
- ما هذا الجهاد إذا؟ أنتم تقتلون الناس.. قرآنكم يأمركم بذلك.. (وامتلأ صدره فخراً أمام الحضور ظناً منه أنه أحرجني)
-فابتسمت وقلت: هل قرأت القرآن ؟ : )
- قال: لا
- إذاً كيف تحكم على شيء لم تقرأه، إن كنت تسمع أهواء الناس فهذا قصور منك سيدي، أستطيع أن أسرد لك قصصاً كثيرة عن اليهود وظلم اليهود والدين اليهودي واستخدم مالذ وطاب من مصطلحات الخيال واتهمكم بها وستصدقها بصورة او بأخرى حتى وإن كنت يهودياً.
وأردفت: إن ديناً يحرّم على الرجال قتال المرضى والنساء والأطفال والقادرين غير المسلحين هو دينٌ رحيم بلا شك، ويشجب كل أنواع العنف والعدوان، وماحدث في 11 سبتمبر لا يمت لديننا بصلة، هل تعلم أن الشجرة محرّم علينا قطعها في الحروب؟ كيف تتوقع أن يُسمح بما حدث! وذكرت له مثالي الذي أحبه (لو اشتريت افخر أنواع السيارات وأكثرها أماناً ، ثم استخدمتها برعونة وقتلت أبرياء ، من الذي يلام؟ شخصك أم شركة السيارة نفسها؟) إن الإسلام بريء من هذه الأفعال.
سأل: ولكن القرآن مليء بكلمة اقتلوا.
فذكرت له آية من سورة البقرة أحفظها باللغة الانجليزية، والتي تعني أن قاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وقلت له أن هناك آيات نزلت في الحدث نفسه، وشرحت له جزءًا من قصة قريش وكيف طردوا المسلمين وحرقوا أغراضهم ووو.... وقلت إن آيات القتال نزلت لصد العدوان وأن أول حرب في الإسلام كانت لاستعادة أملاكهم المغتصبة من قافلة قرشية آثمة.. فلا يجب عليك الحكم على آية الا بقراءة أسباب نزولها والأحداث التي تلتها.
فقال: تصرف قريش سليم، فكيف لهم أن يصدقوا شخصاً يدعي أنه نبي من الله ؟
فقلت: أظن أنك لم تقرأ التوراة، فنبينا محمد مذكور عندكم وله نبوءة في التوراة : )
اندهش وقال: لا يوجد!
فقلت: ...
(يتبع)

16 May 2011

رحلتي إلى المتحف اليهودي في سيدني - 4





سرنا في أرجاء المتحف، وبدأتُ في تعديل بعض فصول التاريخ في ذاكرتي، فالصور التي رأيتها ومقاطع الفيديو الملغمّة بالجثث والتعذيب لم تكن لتُزوّر ، كانت حقيقية وإجرامية. ولأن ديني يدعوني للحيادية وأن لا يجرمنني شنآن قوم على ألا أعدل، فقد قررت أن أعترف بأن ألمانيا قد أحرقت اليهود فعلاً وأغير مفهوم المحرقة في نظري.
بعد أن انتهينا من الجولة، بدأ المرشد يتكلم عن الأخلاق اليهودية، وواجب الإنسان في هذه الحياة، وقد كنت قد قرأت كثيراً في الأديان ووجدت قصوراً واضحاً في فهم اليهودية لقلة مصادرهم لأنه دينٌ عرقي غيرُ دعَوي يزعمون من خلاله أنهم شعب الله المختار، فآثرت البقاء والاستماع لهذا اليهودي ذو التسعين، لأرى ما سيقول عن دينه. كان كلامه بسيطاً وعاماً ، تحدّث عن حسن الجيرة وإطعام المساكين والصدقة والسلام، ثم رأى أن بريق الشغف في عيني قد بدأ في الزوال، لم يكن ما ذكره جديداً أو فريداً أو مميزاً للدين اليهودي عن سائر الأديان وفهم أني متعطشة لمعرفة المزيد من التفاصيل الدقيقة التي نختلف فيها عن بعضنا. لم أكن أود التحدث في الموضوع والدخول في جدال معه عن الأديان، لا لأني لم أكن مستعدة بل لأني وجدت الملل ينبع من نظرات زوجي الذي بدأ ينظر للساعة كل دقيقة! لكن حدث ما أردت.. والتفتّ إلي المرشد وقال: ما رأيك عزيزتي ؟
تهللت أسارير وجهي، فقد دعاني –كمسلمة محجبة- لحوار معه عن الأديان، ذلك الموضوع الذي أعشقه والذي عكفت على قراءه كتبه ومناقشة مؤديه ومعارضيه لفترة ليست بالوجيزة، كنت قد شاهدت العديد من فيديوات الداعية الهندي –ذاكر نايك- والقس الأمريكي الذي أسلم –يوسف إيستيس- وقرأت كتباً عديدة للفاضل أحمد ديدات رحمه الله، كل أولئك قد أعطوا من وقتهم وجهدهم الكثير لإظهار الحق، وقد ساعدوني جميعاً في إفحام ذلك المرشد بحوار دام 3 ساعات متواصلة !

(يتبع)

12 May 2011

ثقافة الجهاد في الإسلام - الجزء الثالث



مالفرق بين قاتل واقتل؟
من وجهة نظري فإن اقتل : اي انهاء حياة شخص ما بالموت بينما قاتل : اي قفّ بوجههم وامنعهم واضربهم لكي تسلَم من شرً ما.
" وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ «190» " البقرة
في الآية الكريمة السابقة نجد أن المقاتلة -وهي المصارعة والمحاربة- تأتي بعد أن يبدأ الطرف المقابل بالقتال، بحيث أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا من يقاتلهم فقط وأن لا يبدأوا بالقتال بقوله "ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين".

وكذلك نجد في الآيات التالية الكثير من الرحمة والفرص التي تسمح لغير المسلمين بالعيش في أمان مع إمكانية العفو عنهم إن آمنوا وأصلحوا:
" إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ «4» فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ «5» وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ «6» كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ «7»" التوبة

لذا فمن الواضح أن مفهوم الجهاد في زمننا هذا هو مفهوم مغلوط، يخلط بين صد هجمات الأعداء والمحافظة على أمن واستقرار المجتمع المسلم، وبين الهجوم على بلاد غير المسلمين لقتل الكافرين أينما كانوا دون اللجوء إلى الدعوة بالحسنى والأمن والسلام، وهذا مايزيد من نفور غير المسلمين للدخول في ديننا الحنيف، قال صلى الله عليه وآله: "لأن يهدي الله على يديك رجلاً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس وغربت". ومنا إلى الجهاديين !

03 May 2011

ثقافة الجهاد في الإسلام - الجزء الثاني



إذاً فالسؤال الذي يُسأل: كيف نجاهد؟
بالعودة إلى معنى الجهاد لغةً واصطلاحاً نجد أن الجهاد يأتي من كلمة جهد وهي التعب والوهن والوسع والطاقة، بمعنى أن الإنسان يقاوم ويصبر على قوة مضادة معينة لهدف ما حتى زوال المؤثر، وشرعاً قيل أن الجهاد هو "هو بذل الوسع واستفراغ الجهد في القتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله بالنفس والمال واللسان وهو فريضة قائمه وسنه ماضيه مع كل أمام , وبرًا كان أو جائرًا لا يبطله ظلم جائر أو عجز عادل إلى قيام الساعة."

هل كلمة جهاد إذاً تعني القتال؟ ليس بالضرورة ! فقد قال الله تعالى في سورة الحج: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) إذا فالصلاة والزكاة والثبات على الدين يعتبر من الجهاد وهو الصبر على الطاعة ومشقاتها أيضاً يعتبر نوعاً من أنواع الجهاد.

عندما نقرأ الآيات التي ذكر فيها الفعل "جاهدوا" سنلاحظ أن الجهاد بالمال يسبق الجهاد بالنفس في أغلب الآيات، كقوله تعالى: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) و(لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) وهو مؤشر مهم لضرورة الجهاد وإعلاء كلمة الله أيضاً بالمال كالصدقات للفقراء والمساكين وبناء المساجد والمدارس والصرف على حفظة القرآن والعلوم الطبيعية والهندسة وكل ما يعمر الأرض ويشيدها (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ).
إذا متى يصبح الجهاد قتالاً؟

(((يتبع)))

02 May 2011

ثقافة الجهاد في الإسلام - الجزء الأول



لطالما كنت أفكر –منذ ظهور القاعدة – في مفهوم الجهاد الذي يدعو إليه منظمو القاعدة في كل مكان، وكنت أحاول استيعاب الأصوات التي تنادي لقتل الأبرياء من غير المسلمين في سبيل إعلاء كلمة الحق ورفع الإسلام وغيرها من الشعارات التي ظاهرها يبهج النفس وباطنها مخيف ومرعب ويثير الريبة، فكيف يمكنني إعلاء كلمة ديني وأنا أقتل آباءً وأبناء وأمهات لم يكن لهم أي ذنب في أي مشكلة نواجهها ؟ كيف سأدعو شخصاً لديني وقد قتلت أمه وأخته في باص للمدرسة؟ أو في محطة كان يعبيء لي بنزيناً أو في مشفى لعلاج الامراض؟ لم تكن الصورة واضحةً عندي منذ البداية، وقرأت الكثير من الآراء ولم أجد مجيباً.
في رأيي المتواضع، فإن الله عز وجل قد خلق النفس البشرية وهو وحدة الذي يميتها ويحييها، وقد ذكر الله لنا في مواقع عديدة من القرآن مَن هي النفوس التي من حق الإنسان أن يقتلها، منها:
• المقاتلين الذين يهاجمونكم في دياركم ويعتدون على أمنكم ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) البقرة 190
• أهل الفتنة الذين يشقون الصفوف ولا يبدون السلام ويرفضون كف الأذى عنكم (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا) النساء 91
• القصاص بالقتلى، فمن يقتل يُقتل (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة 45

أما تعميم مسألة القتل على الكافرين فهي –برأيي- خاطئة جداً وتسبب النفور من الدين لا الاقتراب إليه، وقد خلقنا الله تعالى للعبادة وعمارة الأرض فكيف نعبد الله بما ذكر وندمّر الأرض بالحروب والمشكلات التي نختلقها؟ أين هي الدعوة إلى الدين بالحكمة والموعظة الحسنة؟ أين هو دورنا في نشر الإسلام؟ (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل 125
وقال تعالى: (...وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة 2
(((يتبع)))

21 December 2010

27 years of human prosper :P

Today is my 27th birthday ! i don't feel like 27 :\ i still act like 24 yr old which is not good for a mother... hehehe


time passes quickly, i still remember the day i celebrated my 22 yrs.. the last 5 years were as fast as bullet shot from a short distance .. however, i am happy.

i am happy because i achieved lots of my goals... i thank Allah for granting me my wishes... i am a muslim, i have a bchlr degree in microbiology, i transferred to a better working place, i became a mother, i have a son and a daughter, i made my own company... and most importantly I HAVE NO WRINKLES LOL

ALHAMDULILLAH my 27 years of life werent a waste of time...

<<< trying to feel better coz she's getting older :$

13 December 2010

اللهم يا كاشف الهم :'(

- اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهو اني على الناس . . . أنت أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي . . . إلى من تكلني . إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري . إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، غير أن عافيتك هي أوسع لي . . ! ! أعوذ بنور وجهك ألذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن يحل علي غضبك ، أو أن ينزل بي سخطك . لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك

29 November 2010

رحلتي إلى المتحف اليهودي في سيدني - 3

كان عمري قد أصبح 19 عاماً عندما قررت السلطات الألمانية إجلاءنا من برلين، خرجت من المدرسة فإذا بي أجد نفسي يتيماً .. لا أباً ولا أخاً ولا عمةً، ببساطة.. لا أحد..!
وقفنا في صفوف لازلت أراها رأي العين وقد أخبرونا بأن هتلر سيمر من أمامنا .. وددت لو أنني قدرت أن أنقض عليه فأقتله ...
بخطوات ثابتة وشموخ زائف مر ذلك القاتل الديكتاتوري، ولازلت أذكر أصوات أقدام الجنود المصاحبة له، مر وكأنه طاووس بتاج ملكيّ... يالها من ذكرى سيئة..
كان ذلك آخر ما أذكره عن برلين ... كنت أخال الأيام والسنين تنسيني أهوالها، لكنها لم تفعل.. ومنذ ذلك الحين وأنا لا أذهب إلى ألمانيا.. لا أشتري منتجات ألمانية، ولا أبتاع سيارة مرسيدس أو بي أم دبليو أو غيرها من منتجاتهم... لدي أصدقاء كثيرون هناك وقد دعوني للكثير من حفلات الزواج هناك إلا أنني لم أفعل ولن أفعل.. فانتقامي لدم أبي وأسرتي لن يكون بالدم، ولكن بعدم تدخلي في ازدهار اقتصادهم"


انتهى من سرد القصة وقد نجح بجدارة في جذب انتباهي بلا انقطاع، استمعت لقصته وشعرت بها بكل لحظة فيها بكل جوارحي ...
عدت للواقع بعد أن اهتزاز كتفي من زوجي العزيز.. يدعونا للاستمرار في أرجاء المعرض.. فأكملت المسير..

30 September 2010

رحلتي إلى المتحف اليهودي في سيدني - 2

في تلك اللحظة، وبعد أن رأيت المرشد يقف أمام قاعة العرض ينتظرنا، خلف الباب.. يحاول بجهد عدم تشتيت انتباهنا وقطع انسجامنا، بدرت في خاطري فكرة: أن أنسى لفترة من الزمن أني "مسلمة"، أفتح باب الفطرة لأن تقرر ما إذا كان هذا الدين صالحاً ليكون ديناً للجميع.. لم أشك للحظة بأني سأجد البديل عن ديننا الحنيف، كنت متيقنة أتم اليقين أن لا دين على وجه الكرة الأرضية بكمال الإسلام، ولكن أحسست بقليل من التحدي واختبار الذات.. وعزمت على أن استمع لتفاصيل الدين اليهودي من رجل يهودي .. بالولادة!

انتهى العرض، وانتهت رحلة العذاب المختصرة التي عُرضت علينا بإتقان، خرجنا وجزء في داخلنا يعتصر ألماً على صور الأطفال الذين عُذبوا بوحشية، كان الفيلم كئيباً وتفطر له الأفئدة... لم يستطع أيّ منا حبس التنهيدة التي كانت محبوسة في الداخل..
اتجهنا جميعاً للقاعة الرابعة.. المجهزة بصور وتفاصيل المحرقة.. حيث تبدأ تفاصيل رحلة الحجيم، كما أُطلق عليها..

"عندما بدأت الحرب على اليهود كنت صغيراً - قرابة الثلاث عشرة ربيعاً " قالها المرشد ونحن نسير في ممر مليء بالمعروضات القديمة: صور هنا وهناك، وقطع من ملابس جنود ألمان وقطع من ملابس خيطت ووزعت لليهود والتي أجبروا على ارتدائها، منها لباس مخطوط طولية و قطعةٌ على شكل نجمة داوود كتب عليها بلغة برلين "يهودي"


"كان إجباراً علينا ارتداؤها، أي يهودي لا يرتديها يُعدم على الفور دون أن يعطى أي فرصة للشرح أو التوضيح، كان الوضع مخيفاً في برلين، أنا يهودي ولكني ألماني ! ولي في هذه الدولة حقوق تساوي أي ألماني آخر، إلا أن الحقد قد أعمى جنود هتلر، فلم يعودوا يرون هم وقائدهم أي سبب لإبقائنا على وجه الحياة"

الجانب الإنساني منّي تألم، أحسست بوخزة في فؤادي وتذكرت كيف كانت الأوضاع مشابهةّ لنا في الكويت إبان الغزو العراقي الغاشم، وكيف أن العديدين قد عانوا الأمرّين في ظروف مشابهه، وكم كويتياً لاقى حتفه لمجرد أنه "كويتي" ..

عدت للإصغاء، وقد كان المرشد يحكي قصة الجثث وهو يشير إلى لوحة فيها أناس قد تكدسوا في كومة كأنهم جبل من القش الفاسد، أجساد هزيلة، لا حياة فيها، أكاد أرى العظام فوق اللحم من شدة ما عانوا من الجوع.. قيل أنهم وجدوا في سجن وقد ماتوا لانعدام القوت.. والبعض الآخر من الموجودين أشار إلى أنها نتيجة لعمليات تعذيب عشوائية لليهود ..

مررنا بلوحة أخرى لأسلاك شائكة.. وخلف الأسلاك يقف أطفال صغار بلباس السجن.. كان ذلك معتقلاً لليهود في آخر أيامهم، قبل أن يرحّلوا ويُقتل بقيتهم ..

قال المرشد: "عندما بدات الأمور تشتد، وزاد القتل في منطقتنا والمناطق القريبة منّا .. خاف أبي عليّ، كنت صغيراً ولا أعرف كيف أدافع عن نفسي، فما كان من أبي إلا أن غيّر إسمي إلى "والتر" .. اسمٌ مسيحي.. وألحقني في مدرسة داخلية لصغار المسيحيين..." سكت قليلاً وانطلقت عيناه للسماء ، كمن كان يرى أباه في السماء وشكره، ثم أكمل: "أعطاني أبي إنجيلاً .. وقال لي: يا بني، لا تكشف هويتك، أنت الآن مسيحي، وقم بما يقومون به، وسأعود إليك."

"لم يعد أبي" ... "قضيت في تلك المدرسة خمس سنوات ولم أعرف ماكان يحدث خارج أسوار المدرسة.. لم يأت إليّ أبي كما وعدني..."

أصبح عمري 19 عاماً عندما ....


[يتبع]

رحلتي إلى المتحف اليهودي في سيدني - 1



عندما ذهبت لسيدني في أستراليا -وكعادتي في كل بلد أزورها- ذهبت لمكتب السياحة في باحة الفندق وتوقفت أمام رف المطويات والاعلانات والخرائط.. وأخذت نسخة من كل مجموعة منها بما فيها خريطة المنطقة كاملة .. ثم توجهت للغرفة وبدأت في قراءتها و توزيع المغامرات على صفحة للأيام التي سأقضيها -كنت قد أعددتها وطبعتها مسبقاً- وبينما كنت أرتب أفكاري وأرى خطوط الشوارع في الخريطة وكيف سأصل لكل نقطة في جدول أعمالي، وجدت كلمات مكتوبة بخط صغير .. على جانب أحد الطرق.. تمعنت في الحروف وإذا هو "المتحف اليهودي لعرض قصة المحرقة" !! ،، اتسعت عيناي من البهجة ، وأحسست أن هذا المكان هو ما أود الذهاب إليه فأدرجته في الجدول!
في اليوم الموعود، أثار دخولي للمتحف دهشة موظف الاستقبال، وابتسم لهيئتي وحجابي وأردف مرحباً: تفضلوا ! كان المبنى في قمة الرقي، فالمدخل مميز، والحوائط تحمل عبارات تعريفية وبألوانٍ رمادية، كان كل شيء هادئاً .. بدأت في القاعة الأولى بقراءة الكتيبات والروايات المعروضة لشرح معنى اليهودية، وقد حوى الرف الكثير من الروايات الأدبية التي تحدثت عن المحرقة والتعذيب الألماني ومنها قصة الفيلم a boy in the striped pijamas، ثم انتقلت للقاعة الثانية والتي تشمل طقوس العبادة والشمعدانات ولباس القديسين والحاخامات وصيام السبت والمحرمات وغيرها من تفاصيل الدين.. تعلمت الكثير ممن لم أكن لأجده في أي مكان آخر.. كانت متعة حقيقية .. أما القاعة الثالثة ففيها شاشة كبيرة لفيلم تعريفي لما حدث لليهود في برلين، كنت قد بدأت في مشاهدته ودخلت بكل جوارحي إلى عالم اليهود آنذاك، فالصور ومقاطع الفيديو والموسيقى التصويرية جعلت من الحاضرين حولي يبكون، ولا أكذب إن قلت أني قد تأثرت .. عندها قاطع ذلك الإنسجام صوت مرشد المعرض، كان صوته أبوياً حنوناً يرحب بالجميع، فألتفت لأجده رجلاً كبيراً في السن ، لم أكن من المهرة في تحديد الأعمار، فخمّنت أنه في السبعين من عمره، إلا أن حدسي قد ضيّع من عمره عقدين كاملين !
كان المرشد رجلاً في التسعين، محافظ على شبابه ومرتب في هندامه، ولم يكن الشيب الكثيف في شعره عقبةً تعيق روحه الفكاهية وحبه للحياة، عرّف بنفسه على أنه مرشدنا، يهوديّ، في التسعين، ومن آخر الاجيال التي شهدت الحرب العالمية الثانية والمحرقة التي عانى منها اليهود !
اصطفت علامات الدهشة على جبهتي ووجنتيّ.. قد خلت أن المحرقة قد حدثت في زمن بعيـــد جداً ولكن عزائي في قدرتي على التخمين قد سهّل علي الأمر فتقبلته...

بدأ المرشد في إرشادنا .. وبدأت أدخل في تفاصيل القصة...



[يتبع]

17 September 2010

أبناؤنا جواهر ولكننّا حدادون - بقلمي


لفت انتباهي قبل قليل -عندما كنت أشتري بعض الأغراض من المكتبة- كتابٌ اسمه "أبناؤنا جواهر ولكننّا حدادون".. للمؤلف:مسلم تسابحجي، وما تصفحته ولكنني أعتقد أني عرفت مضمون الكتاب من غلافه وحتى نهايته!
وقفت لبرهة أفكر في عنوانه، نعم صحيح، نحد حدادون ، نشّكل الطرق التي يفكر بها أبناؤنا ونسيّرهم باتجاهاتٍ نطلق عليها العرف والدين والعادات والتقاليد والطائفة والقبيلة والطموح والتخصص و الطريق الناجح و..و..و..الكثير الكثير. تلك الحدود والقوانين التي يجب عليهم ألّا يكسروها أو يغيروا قواعدهاأو حتى يفكروا في اختراقها.. فهل نحن مبررون ؟

عندما يولد الطفل فأنه -من الوهلة الأولى- قد أعلن دخوله إلى عالم التجربة، عالم اكتشاف الحياةوالناس... فبكاءه جديد عليه، وصوت أمه غريب عليه، وأذان أبيه في أُذنه دعوة لرب لا يعرفه، بل ينبهه للفطرة التي فُطر عليها ، فيبدأ في تكوين خبراته ، ويبني معتقداته ويسميّ الأشياء بلغته ويكتب قاموسه.. ثم نأتي نحن بخبراتنا ، التي سبقناه بها بعشرات السنين، فنحكّم الأمور بمطرقتنا، نغيّر رأيه، ونبدّل أسماءه، ونسيّره بما سار عليه إخوانُه.. فالقلم ممنوع إلا بعد 3 سنوات، والألوان نحددها بحسب رؤيتنا للوحته، لا بحسب ما يراه مناسباً لذوقه، فكيف نسمح له أن يرسم وردة سوداء؟ أو أن يأكل الدجاج بالشوكولاتة؟ إنها أشياء خاطئة...

خاطئة لمن ؟ قد يكون الطفل مستعداً للكتابة في سن الثانية، وقد تكون الوردة السوداءً باباً لخيال أكبر وتأليفاً لما قد يكون اختراعاً في بضع سنين.. إن تدخلاتنا تحدُّ من إبداعاتهم، وتقلل من إمكاناتهم ، وتدفن مواهبهم التي وُهوبوها بلا ميزان .. يبقى السؤال هنا.. هل هذا يعني أن لا نتدخل في طريقة تفكير أبنائنا، وأن نجعلهم يسلكون طريق التعلم بالتعقّل.. واستخدام أدمغتهم وخلاياها الرمادية؟ وأن نفتح المجال لـ"التجربة والخطأ" ؟ أم أننا ننقش فيهم أنفسنا وننسخ ماتعلمناه فيهم فلا نجعل لهم فرصة التذوق؟ من يحدد مقدار التدخل؟ متى يكون التدخل قاصراً ومتى يكنىّ بالمبالغ فيه؟ [لا أعلم]